فى مدينة العـقاد كتاب هتلر فى الميزان (92)

Posted on Posted in جريدة المال - المقال الإسبوعى

     كانت الأحاديث أو المحاضرات الثلاثة التى ألقاها العقاد بالإذاعة المصرية ، فى ثلاثينيات القرن الماضى ، وإن طبعت سنة 1940 ، ويرجح أنها كانت قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية التى شبت فى أول سبتمبر 1939 ، يرجح ذلك أن الأحاديث الثلاثة خلت من أى إشارة إلى تلك الحرب .

     أما كتاب « هتلر فى الميزان » فقد كتب يقينًا أثناء دوران تلك الحرب ، وطبعت طبعته الأولى سنة 1940 والحرب على أشدها ، ولكن الحرب امتدت بعد صدوره لخمس سنوات ، حيث لم تضع أوزارها إلاَّ فى سبتمبر 1945 بعد إلقاء الولايات المتحدة قنبلتيها الذريتين على هيروشيما وناجازاكى باليابان فى أغسطس من ذلك العام .

   ويشير العقاد فى مستهل الكتاب ، إلى أنه سبق أن كتب للجريدة فى 7 يوليو 1912، مقالاّ يرد فيه ويهاجم من يعظمون نابليون ومن على شاكلته ممن أماتوا الألوف ، ويأخذ عليهم أنهم جعلوا نابليون مثالاّ لقوة الإرادة ، بينما الإرادة قوتان : قوة دافعة تغرى بالإقدام وتهون العوائق وتكون فى أقصاها عند المجنون . وقوة مانعة هى التى تقعد عن الاندفاع وتدعو إلى المهل والتدبر . وأن الإرادة الصادقة إنما هى الموازنة بين هاتين القوتتين ، والمداورة بينهما والترجيح الواعى بين الدواعى والموانع ، فلا يقدم عامل الإقدام إلاَّ فى موضعه ، ولا عامل الإحجام إلاَّ فى موضعه .

   وعلى هذا المعنى لم يكن نابليون قوى الإرادة ، ولكنه كان قوى الطموح شديد الاندفاع فى المطامع .

   وإعجاب الجمهور بهذا النوع كاستكانة المرأة الضعيفة والولد الصغير إلى القوة حيث كانت ، أما الناقد الاجتماعى فيجب أن يكون أبعد من ذلك نظرًا وأصدق حكمًا .

     والفرق بين نابليون وبين طغاة الحرب الحاضرة ـ كالفرق بين المارد والأقزام .

     واليوم والخطر قريب ، وقد مضى مائة ونيف وعشرون سنة بعد حروب نابليون ، يحق للناس أن يتمعنوا حتى يربحوا ولا يخسروا من تجارب هذه السنين .

مخلوق الظروف والمصادفات

   اقترن اسم هتلر بالحرب العالمية الحاضرة ، ومن أخطاء تقديرات العامة وجماهير الدهماء لرجال الحوادث ، أنهم يعظمون الرجل بمقدار ما فى يديه من سيطرة ، أو بمقدار ما يثيره من ضجة . وكلا القياسيين خاطئ ، فقد حاز هذه أو تلك قطاع طرق ، فوصل قاطع الطريق « باجى سقا » إلى كرسى الإمارة فى بلاد الأفغان ، ووصل إلى رئاسة الدولة فى المكسيك ، قاطع الطريق « فرانسيسكو بانش » ( 1877/1923 ) واشتهر باسم « فيفافيلا » ، وكان يجهل القراءة والكتابة !

     فلا حيازة السيطرة ، ولا ضخامة الحوادث ، ولا ضخامة الدولة ، ولا اتساع مدى السلطان ـ بالمقياس الصحيح لكفاءات الرجال .

   وإنما المقياس الصحيح أن نفصل بين فعل الرجل وفعل الظروف التى لا فضل له فى خلقها أو توجيهها ، لنرى ماذا يستطيع عمله بمعزل عنها ! أو نقيس ظله بعد نزوله عن القمة التى يقف عليها !

     وليس فى العصر الحديث من حاكمٍ بأمره مَنْ خدمته « الظروف » مثل ما أفادت به
« أدولف هتلر » زعيم النازيين . فهو من خلق الظروف والمصادفات ، وليس من حصاد القدرة ، ولو نقل من بيئته وزمانه أو من جيله ، لما كان له شىء من الشأن الذى انتهى إليه !

*        *        *

       من موافقات الظروف أن الألمان جميعا كانوا يطلبون تبديل الحال التى كانت عليها ألمانيا بعد الحرب العظمى ، فمنهم فريق يريد العودة إلى ألمانيا القديمة التى تسيطر على الدنيا وتتأهب للغارة الكبرى كرة أخرى , وهم أصحاب المصانع والضِّياع والقادة . وفريق آخر يريد تبديل الحال لبناء الدولة الألمانية على أساس جديد , وهم الفقراء والأوساط والعمال ودعاة الحرية وأعداء العهد القديم .

     وتوافق الفريقان على الضرب بمعاولهم فى أساس النظام القائم , مما فتح من ثم ثغرة فى السد الذى كان يصد النازيين .

     واتفق من غرائب المصادفات , أنه فى الوقت الذى ظهر فيه هتلر , رجحت كفة « ستالين » فى روسيا على كفة « تروتسكى » المبشر بتعميم الدعوة الحمراء فى أنحاء العالم , فقررت حكومة « السوفييت » أن تنفض يدها من الشيوعيين بخارج البلاد , فما هى إلاَّ أسابيع معدودة حتى نفدت أموال الشيوعيين الألمان وعجزوا عن بذل الأجور للموكلين بشئون الحزب , فتحولوا بالألوف إلى معسكرات النازيين , والتى كان ملوك الصناعة آنذاك يوالون إمدادها بالإتاوات ويهيئون لها شراء المعدات والأزواد .

     وأعجب من هذا أن جاءت المعونات تباعًا لهتلر وأشياعه من موظفى الدواوين وهم أيدى الحكومة وعيونها والمفترض أنهم أنصارها وأعوانها , ولكنهم كانوا ـ إلاَّ قليلا ـ جنود العهد القديم وتلاميذ الاستبداد , فبذلوا لهتلر وأشياعه قصارى المستطاع .

     وعندما قضى على هتلر سنة 1923 بالسجن خمس سنوات , للعصيان وإشهار السلاح فى وجه الدولة , لم تمض تسعة أشهر حتى عُفى عنه خلافًا لأحكام القانون التى تحظر العفو عن المجرم العائد , وكان قد سبق الحكم عليه بالحبس ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ .

     ولما تبين أن « الجنسية الألمانية » لا تشمله لأنه رعية الحكومة النمسوية , احتالت وزارة « برنسويك » بتعيينه فى وظيفة شرفية ليصبح بذلك ألمانى الجنسية وفقا لدستور « فيمار » .

     ومع كثرة هذا الإغضاء والموافقات التى حفت بهتلر وأشياعه , أتمت الدسائس فى حاشية المارشال « هندنبرج » ما بدأته الحوادث والأزمات والموافقات , فانتقلت بهتلر من شغب الطريق إلى ديوان الاستشارة .

     ثم كان مع وهن المارشال الكبير بحكم السن ووطأة السنين , أن صار أرجوحة بين رجلين : أمين سره القديم الجنرال « فون شليخر » , وثانيهما « فون باين » الذى كان يساكن الرئيس « هندنبرج » فى قصر واحد , فكان أن صب سعى كل من الرجلين لتصفية الآخر فى صالح هتلر , فاقترح « فون باين » على المارشال الهرم أن يدعو هتلر لتأليف الوزارة مع اثنين أو ثلاثة من أنصاره يرضاهم المارشال . أملاً فى أن ذلك سيضعف النازيين , وقنع « فون باين» بوكالة الاستشارة معتقدًا أنه يملك زمام الأمور بسيطرته على المارشال وتألبه مع سائر الوزراء .

     فلما طال التنافس بين الغريمين , انتفض « فون شليخر » على المارشال مع بعض القواد العسكريين ورؤساء العمال الساخطين على النازيين , وقبضوا على دفة الحكومة باسم الضرورة , فلما تناهى الخبر إلى « فون باين » سارع بإقناع المارشال بالإسراع إلى دعوة هتلر وإقامته على رأس الوزارة التى أتته هدية بفعل هذه الظروف والتوافقات , ثم كان أن جرت الانتخابات الجديدة بإشراف المستشار هتلر على الطريقة النازية المعهودة فتقوّى مركز هتلر , وصدرت المراسيم بحل جماعة الشيوعيين , واشتد المرض على المارشال الهرم , ثم مات وتبوأ هتلر مكانه باسم زعيم الأمة ومستشار الدولة ، وأفلتت الأعنة نهائيًّا من يدى « فون باين » ، فكان أن وثب هتلر إلى موقعه الحاكم فى يسر وسهولة وأمان !      

 ( يتبع )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *