رقم هاتف المكتب

٩٩١ ٥٨ ٠١٠٠٠٠

البريد الإلكتروني

rattia2@hotmail.com

أوقات العمل

الأحد إلى الخميس: ٩ ص - ٣ م

 

صفات بلال

 

     كان بلال ، فيما يستهل الأستاذ العقاد هذا الفصل ، رجلاً على سواء الفطرة .

     آية ذلك ، فيما يرى ، أنه كان كما ينبغى أن يكون كل رجل قوىّ الطبع من بنى جلدته ، وفى مثل نشأته ، يمر بنفس الحوادث التى مَرَّ بها ويمارس التجارب التى خاضها ومارسها .

     قد تقدم فى صفات الموالى الأفريقيين أنهم ينقمون الإساءة على المسىء ، ويحفظون الحسنة لمن يحسن إليهم ويؤثر فيهم بمهابته وطيب سجاياه .

    وهكذا كان بلال ـ رضى الله عنه ـ فى مجمل صفاته .. الأمانة ، والطاعة ، والولاء ، والصدق مع الولاء .

     وكانت فيه مع ذلك قسوة وعناد ، ولكن فى موضع القسوة والعناد ، ودون أن يكون البادئ أو المكابر فى عناده .

     كان لقسوته ـ إذا بدرت ـ عذر أو سبب .

     وكان لعناده فضل الإصرار على الإيمان بالصواب  .

     ومع هذا أجمع الذين وصفوه أنه كان طيب القلب صادق الإيمان ، وأبعد ما يكون عن الخبث ، وإنما هو على طبعٍ صافٍ يرى الناس وجوه أعمالهم فيه  .

     وكان أكرم صفاته الفطرية مما يوافق الطاعة وصدق الولاء ، فكان إيمانه القوى بالله ، وإخلاصه المكين لرسول الله ،  هما الذروة التى ترتقى إليها محاسنه .

    كان حبه للرسول r هو لب الحياة عنده ، ومعنى الدنيا والآخرة فى طوية قلبه .

     عاش ومات وهو لا يرجو فى دنياه ـ ولا بعد مودته ـ إلاَّ أن يأوى إلى جواره عليه الصلاة والسلام ، وينعم برضاه .

     حين حضرته الوفاة وصاحت امرأته : واحزناه ، خرجت إجابته مع سكرات الموت
تقول : « بل وافرحتاه ! غدًا نلقى الأحبة ، محمدًا وصحبه » .

     أُثر عنه الصدق ، فكان الصحابة يشكون فى أبصارهم ولا يشكون فى روايته ونقله .

     ولزمت بلالاً عادة الصدق فى كل كلامه ، ما ينقله عن الرسول أو إليه ، وما يتحدث به فى أى شأن من الشئون العامة أو الخاصة ، وحينما رجاه أخوه فى الله : أبو رويحة ، أن يسفر له فى زواجه عند قوم من أهل اليمن ، صدقهم فى وصف طبيعته وخلقه ، قائلاً لهم : « فإنْ شئتم أن تزوجوه فزوجوه ، وإنْ شئتم أن تدعوا فدعوا .. » .

     وقد كان من ولائه لأبى رويحة ، أن ضم ديوان عطائه إليه حين خرج إلى الشام ، وحين سأله الفاروق : إلى من تجعل ديوانك يا بلال ؟ قال : « إلى أبى رويحة لا أفارقه أبدًا ، للأخوّة التى عقدها رسول الله بينه وبينى » .

*       *       *

      عرف له النبى عليه السلام ـ هذه الخصال التى ترجع كلها إلى صفة الأمانة ، فأقامه دائما فى مواضع الثقة ، وائتمنه على مال المسلمين وعلى طعامه ومؤنته وشخصه ، واستصحبه فى غزوه وحجه ، وفى حلّه وترحاله  .

      وعلى الحنان الذى كان فى طوية بلال للرسول العظيم عليه الصلاة والسلام ـ كان ضميره يعرف الإصرار على الرأى على أشد ما عرف مؤمنٌ بعقيدة ونافرٌ من رذيلة .

     والعناد يجرى عادة على لونين : ثبات على الصواب والعقيدة ، أو ثبات على الخطأ والهوى ولم يُعرف فى تاريخ بلال عن العناد ، إلاَّ أجمل اللونين .

      عن اللون الأول ، يقول الأستاذ العقاد :

      « من ذلك عناده للمشركين حين ساموه العذاب ليفتنوه عن دينه ويكرهوه على سب أبيه ، كما تقدم فى وصف إسلامه ، ومنه إصراره على ترك الأذان لغيره حين وقر فى نفسه أن أذانه بعد رسول الله نقص فى الوفاء ، وربما كان منه إصراره على الجهاد والسفر من المدينة إلى الشام حين سأله الخليفة البقاء . فقال له فى رواية مشهورة : « إن كنت أعتقتنى لنفسك  فاحبسنى ، وإن كنت أعتقتنى لله عز وجل فذرنى أذهب إلى الله عز وجل » . وأَبى إلاَّ أن يمضى حيث أراد »

     وكان له عذره ، أو  له أسبابه ، فيما عاند فى القسوة عليهم من الأعداء الذين آذوا ، إلاَّ أن يتلقى الصواب فلا يجد غضاضة فى أن يعتذر عن قسوته  ..

     حينما مَرَّ  يوم خيبر ـ بفتاة من المشركين على مصارع القتلى من قومها ،  وعاتبه النبى عليه السلام قائلاً له : « أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بجارية حديثة السن على القتلى » ، لم يزيف فى رده ، ولكنه اعتذر إلى النبى قائلاً : « ما ظننت يا رسول الله أنك تكره ذلك » .

     وكان عذره فى موقفه من « أمية بن خلف » فى وقعة بدر أوضح وأسلم من عذره يوم خيبر ، فقد كان بلال أوفر المسلمين نصيبًا من إيذاء ولؤم هذا الرجل الذى كان أحق الناس بالبغض وقلة الرحمة ، لأنه كان يعذب المستضعفين تعذيب الجبان اللئيم لا تعذيب الساخط الغيور على عقيدة ، وكان جبانًا يرهب القتال وينأى بنفسه عن التعرض لمخاطر الحرب ، ولم يخرج يوم بدر إلاَّ بعد أن عايره أبو جهل على الملأ ، وذهب إليه بمجمرة يبخره بها وهو يقول له : « تجمّر يا هذا فإنما أنت كالنساء ! » .

      وحين شبت المعركة التى اضطر خجلاً للاشتراك فيها ، كان أول الناكصين عن القتال من قومه !

     وفى غير هذه الهيجة التى تدرك أحلم الناس فى مواطن النقمة وحومة الحرب ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ، لم تكن شدة بلال غير حمية الرجل الفطرى التى قد تبدر منه قسوة وهو لا يعنيها ، آية ذلك أنه كان فى جملة أحواله مثلاً للخلق الوديع والطيبة الرضية وحلاوة النفس  .

        وليس أدل على جملة هذه الخصال ـ فيما أرى شخصيًّا ـ من موقفه وتصرفه الحاسم وبلا خشية ، مع سيف الله خالد بن الوليد ، يوم أحجم خالد عن الرد على أسئلة أبى
عبيدة بن الجراح التى طفق يوجهها إليه بالمسجد الجامع تنفيذًا لأوامر الفاروق ، فوثب إليه بلال وهو القائد المظفر المهيب الذى ارتعدت منه فرائص الفرس والرومان ، فتناول عمامته وفضها وعقله بها وخالد لا يمنعه . فلما أجاب خالد على سؤال أبى عبيدة الذى ظن أن فيه تعريضًا  به أو إهانة له ، بأنه أجاز الشاعر من ماله ، أطلقه بلال ، وعممه بيده وهو
يقول : « نسمع ونطيع لولاتنا ، ونفخم ونخدم موالينا » .

     كانت طاعته عليه الرضوان ، للمرء الذى يُطاع ، وللأمر الذى تجب طاعته ، وهى طاعة القوى الشريف ، وليست بطاعة المسخّر الضعيف ، فعصى مالكيه والموت جاثم على صدره ، وفرض الطاعة على من يهابه سواه ، فكان سيد المطيعين حين تجب الطاعة .

المقالات الموصى بها

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *